السيد كمال الحيدري
41
معرفة الله
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ « 1 » . وأيّ خسران بعد فقد الفطرة وفقد القدرة على العود إليها ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ « 2 » ، أمّا خسارة الآخرة فواضحة ، وأمّا خسارة الدنيا فلأنّه عاش فيها أعمى القلب في ظلمات لا يُبصر فيها . إنّ الرجوع إلى الفطرة هو خلاصة الكمال المقصود وذروة معطيات رسالات السماء ، لأنّ العود الحقّ هو تجلٍّ لخلاصة المعارف الإلهية الحقّة ، وخلاصة العود هو صون الماء عن الزبد ، وقد ترك المولى جلّ وعلا ذلك العود لإرادة الإنسان واختياره . ولا ريب أنّ العود للشيء هو أيسر من المُضيّ إليه أوّلًا ، فإنّ المُضيّ للشيء أوّلًا يعني الجهل به مسبقاً فلا تقع منه إشارة في الطريق ، بل لا تقع منه عبارة أيضاً فضلًا عن اللطائف والحقائق « 3 » ، وذلك يعني أنّ العود
--> ( 1 ) المؤمنون : 37 . ( 2 ) الحج : 11 . ( 3 ) يروى عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنّه قال : « كتاب الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء : على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ، فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء » عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية ، لابن أبي جمهور الإحسائي ، تحقيق السيّد المرعشي والسيّد مجتبى العراقي ، نشر مطبعة سيّد الشهداء ، قم ، الطبعة الأولى ، 1403 ه : ج 4 ص 105 ح 155 . ولا ريب أنّ عالم الإمكان بأسره هو الآخر كتاب الله المقروء ، وفيه مراتب أو عوالم ثلاثة هي : 1 عالم المادّة الذي يُقابل العبارة حيث يفهمهما العوامّ . 2 عالم الملكوت الذي يُقابل الإشارة حيث يفهمهما الخواصّ . 3 عالم الجبروت العقل الذي يُقابل اللطائف حيث يفهمهما الأولياء . وهنالك عالم رابع فوق هذه العوالم الثلاثة يسمّى بعالم اللاهوت الذي يُقابل الحقائق / / حيث يفهمهما الأنبياء ، أو المعصوم مطلقاً . فاللطائف هي ظلّ الحقائق ، والإشارات هي ظلّ اللطائف ، والعبارات ظلّ الإشارات ، كما أنّ عالم المادّة ظلّ الملكوت ، والملكوت هو ظلّ الجبروت ، والجبروت هو ظلّ اللاهوت ، وهذه الظلّية هي تعبير آخر عن الظاهر في قِبال الباطن ، فالإشارة هي باطن العبارة كما أنّ الملكوت هو باطن الملك والمادّة .